تعرف على القانون

مبدأ سمو الدستور

المقدمة

رفاقي، تَربينا جميعاً في عالمنا العربي على احترام الكبير ووجوب طاعته، إذ أنه (في الغالب) يُمثل لنا الأخلاقيات والأصول، والأمر لا يختلف عن ذلك في نظامنا القانوني فهناك كَبير يجب احترامه ولا يجوز لأي قانون أو سُلطة مخالفته وهو الدستور، وأي قواعد أخري تليه يجب أن تكون موافقة له. وهذا يعني أن القواعد القانونية التي يتضمنها أي نظام قانوني ليست في مرتبة واحدة وإنما في مراتب متدرجة وتشبه في تدرجها الهرم وترأس القواعد الدستورية قمته، وترتيباً على ذلك لا يجوز لأي قاعدة اخري مخالفتها، علاوة على أن الدستور وثيقة بين القائمين على السلطة العامة وبين الشعب لضمان عدم انحراف السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية عن المبادئ والقواعد التي يري الشعب أنها تجسيد للشرعية التي يؤمن كامل الإيمان بها وذلك في مكان و زمان معينين، إذ هي أمر نسبي.. من هنا قيل أن الدستور يتمتع بسمو على القوانين الأخري وعلى إرادة السلطة العامة، والحق أصدقائي أنه في عالمنا العربي يتماشى الدستور مع أهواء الرؤساء، فما يريده الملك يريده القانون، دون تقدير للواقع، فتخيل معي عزيزي القارئ قيامك بإعداد وجبة دون معرفة لمكوناتها وكل ما تعرفه إسمها فقط!

ويعني مبدأ سمو الدستور يا رفاق علو القواعد الدستورية على غيرها من القواعد القانونية الأخرى، فهذا يعني أن أي قانون يصدر يجب أن يكون موافقاً الدستور وإلا عُدّ باطلاً وغير دستورياً.
و بالبحث والنظر هنا وهناك وُجد أن أساس هذا المبدأ يعود إلى نظرية العقد الإجتماعي لچان چاك روسو، ولكنه ظل مجرد فكرة إلى أن انتصرت الثورتين الأمريكية والفرنسية ، ونُص عليه لأول مرة في الدستور الأمريكي 1787.
وسمو الدستور قد يكون موضوعي وقد يكون شكلي

أولاً: السمو الموضوعي

ويعني أن القانون الدستوري يتناول موضوعات تختلف عن  تلك التي تتناولها القوانين العادية، و يستند هذا السمو على موضوع ومضمون القاعدة الدستورية، لذلك يوجد هذا السمو في جميع الدساتير مكتوبة كانت أم عرفية  جامدة أو مرنة، فالمشرع  وإن كان له حق تعديل الدساتير المرنة إلا أنه ملزم بإحترام الأساس النظري الذي يقوم عليه الدستور.

ويترتب على السمو الموضوعي عدة نتائج:

1- ارتباط السمو الموضوعي بمبدأ المشروعية

ويعني مبدأ المشروعية الخضوع للقانون وعدم تجاوزه، وبالتالي يقتضي الارتباط بينه وبين سمو الدستور وجوب احترام القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية والتي يجب أن تكون بدايةً متطابقة للدستور.

2- الدستور مصدر جميع السلطات في الدولة 

 وهذا يعني أن هذه السلطات تمارس وظيفة محددة لها من قبل الدستور، من ثم لا يجوز لها تفويض اختصاصاتها للغير إلا إذا وجد نص دستوري يبيح ذلك؛ تطبيقاً لقاعدة ” الاختصاصات المفوضة لا تقبل التفويض”.

3- قواعد الدستور مُلزمة لجميع السُلطات وبالتالي لا يجوز لأياً منها مخالفة الدستور وإلا كان هذا التصرف باطلاً

ثانياً: السمو الشكلي

ويقصد بهذا السمو أن عملية تعديل الدستور تتطلب إجراءات أكثر تعقيداً من إجراءات تعديل القوانين العادية، لذلك يوجد هذا النوع من السمو في الدساتير المكتوبة الجامدة فقط؛ نظراً لأن الدساتير العرفية غير مكتوبة والمرنة يستطيع المشرع تعديلها كالقوانين العادية.

يُستنج من هذا أن صفة الجمود هي التي تضفي سمواً شكلياً على الدستور سواء فيما يتعلق بقواعده الموضوعية أم الشكلية.

ومن تطبيقات مبدأ سمو الدستور:

في مصر: قضت المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار سعيد مرعي عمرو في الدعوى رقم 23 لسنة 26 بعدم دستورية حل الجمعيات التعاونية بقرار وزاري، وحكمت بعدم دستورية المادة 68 من قانون التعاون الزراعي الصادر بالقانون رقم 122 لسنة 1980 فيما تضمنته من النص على حل الجمعية بقرار من الوزير المختص…[1

استثناء على مبدأ سمو الدستور

هناك استثناء وحيد يرد على هذا المبدأ وهو نظرية الضرورة.

نظرية الضرورة

ومقتضي هذه النظرية أنه إذا تعرضت الدولة لخطر جسيم  أو ظروف استثنائية كالحروب والكوارث الطبيعية والاوبئة مثلاً فهي في حِل من  الالتزام بأي مبدأ دستوري أو قاعدة قانونية كلما ترتب على مراعاة أحدهما تهديد لها، بما في ذلك تقييد الحريات العامة بالقدر اللازم لمواجهة الخطر، على سبيل المثال ما نمر به حالياً من انتشار ڤيروس كوڤيد 19 وارتفاع عدد الإصابات مما يُبيح للدولة تقييد حرية الأفراد والحد من خروجهم لغير ضرورة وأيضا ما فعلته الصين في ظل هذه الظروف من حظر أكل القطط والكلاب واعتبارهم من الكائنات الأليفة، فالفكرة هنا في تعديل القانون وفقاً للظروف الجارية، ولا يعد هذا مجرد حق للدولة بل إنه من واجبها؛ للحفاظ على كيانها واستمراريتها، وترتيباً على ذلك يعتبر تصرف الدولة مشروع في مِثل هذه الظروف ولو كان مخالفاً للقانون، فدائماً وأبداً درأ المفاسد مقدم على جلب المنافع. 

ونظراً لكون حالة الضرورة حالة استثنائية فلا يجب أن يتوسع فيها أو يتعسف في استخدامها بإتخاذ تدابير في غير محلها، فالضرورة تقدر بقدرها. 

ويعود أساس هذه النظرية إلى مقولة الفقيه الروماني شيشرون “سلامة الدولة فوق القانون”.. والدولة هي الشعب، فلا أهمية لاحترام قوانين دولة تؤدي لزوال الدولة ذاتها، فهل سيطبق القانون نفسه بنفسه دون شعب ؟! 

مبررات نظرية الضرورة

  • سلامة الدولة وشعبها فوق كل اعتبار، فالقوانين والمباديء الدستورية وضعت لمواجهة الظروف العادية، وحالة الضرورة  تتمثل في خطر جسيم يستدعي مواجهته ولا تُجدي القوانين العادية لدفعه، فتجد الدولة نفسها في موقع المضطر لمخالفة الدستور لحماية كيانها.
  • لو افترضنا عدم جواز مخالفة الدولة للدستور والقانون في حالة وجود خطر يهدد كيان الدولة لأدي ذلك إلى زوال الدولة ذاتها وليس هذا هدف الدستور والقانون، إذ أن وضعهم كان للحفاظ عليها لا لزوالها.

نتائج هذه النظرية

يترتب على جواز مخالفة الدستور في الظروف الإستثنائية نتيجتين:

  •  كافة الإجراءات والتدابير التي اتخذها الدولة في حالة الضرورة إجراءات سليمة ونافذة متي كانت غير تعسفية.
  • لا يحق للأفراد مطالبة الدولة بتعويض عما يصيبهم من أضرار من جراء هذه التدابير، ترتيباً على كونها إجراءات سليمة.

تطبيقات على نظرية الضرورة

نصت دساتير معظم الدول عليها، فنص عليه الدستور المصري 1971 في المادة 74 منه ” لرئيس الجمهورية إذا قام خطر حال وجسيم يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستورى أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر بعد أخذ رأى رئيس مجلس الوزراء ورئيسى مجلسي الشعب والشورى…”  [2]

وأيضاً نص عليها النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية في الباب 6 في المادة 62 منه” للملك إذا نشأ خطر يُهدد سلامة المملكة أو وحدة أراضيها أو أمن شعبها ومصالحه أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها أن يتخذ الإجراءات السريعة ما يكفل مواجهة هذا الخطر…” [3]

اقتباس اليوم

صعب جداً أن يؤمن زعيم بدستور إذا كان هذا الدستور يقصيه عن الحكم”.            أحمد بهاء الدين

كتبت / أميرة أحمد سلامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى